أحمد بن محمد القسطلاني
441
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( أن يعمروا مساجد الله ) أي شيئًا من المساجد فضلاً عن المسجد الحرام ، وقيل هو المراد وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وأمها وإمامها فعامره كعامر الجميع ، ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبما عمرو ويعقوب بالتوحيد ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) بإظهار الشرك ، وتكذيب الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة بيت الله وعبادة غيره ، روي أنه لما أسر العباس يوم بدر عيَّره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم وأغلظ له عليّ رضي الله عنه في القول فقال : تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا إنّا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني فنزلت : { أولئك حبطت أعمالهم } التي يفتخرون بها لأن الكفر يذهب ثوابها { وفي النار هم خالدون } لأجله { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة } أي إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ، ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا . وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في مسند عبد بن حميد مرفوعًا إن عمار المساجد أهل الله . وروي إن الله تعالى يقول : إن بيوتي في أرض المساجد وإن زوّاري فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره . { ولم يخش إلاّ الله } في أبواب الدين { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } [ التوبة : 17 ، 18 ] قيل : الإتيان بلفظ عسى إشارة إلى ردع الكفار وتوبيخهم بالقطع في زعمهم أنهم مهتدون ، فإن هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل ، فما ظنك بمن هو أضل من البهائم وإشارة أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتكال على الأعمال انتهى . وقد ذكر هاتين الآيتين هنا في الفرع لكنه رقم على قوله ( شاهدين ) علامة السقوط إلى آخرها ، ولفظ رواية أبي ذر { أن يعمروا مساجد الله } الآية . ولفظ الأصيلي ( مساجد الله ) إلى قوله ( من المهتدين ) . 447 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ : انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ . فَانْطَلَقْنَا ، فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا ، حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : " كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ . فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ : وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ . قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ " . [ الحديث 447 - طرفه في : 2812 ] . وبه قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد الأسدي البصري ( قال : حدّثنا عبد العزيز بن مختار ) الدباغ الأنصاري البصري ( قال : حدّثنا خالد الحذاء ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الذال المعجمة ( عن عكرمة ) مولى ابن عباس . ( قال لي ابن عباس ) عبد الله رضي الله عنهما ( ولابنه ) أي لابن عبد الله بن عباس ( علي ) أبي الحسن العابد الزاهد المتوفى بعد العشرين والمائة ، وكان مولده يوم قتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فسمي باسمه ، وكان فيما قيل أجمل قرشيّ في الدنيا ( انطلقا إلى أبي سعيد ) الخدري رضي الله عنه ( فاسمعا ) ولأبي ذر واسمعا ( من حديثه فانطلقنا فإذا هو ) أي أبو سعيد ( في حائط ) أي بستان ( يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ) بالحاء المهملة والموحدة أي جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه ( ثم أنشأ ) أي شرع ( يحدّثنا حتى أتى ذكر ) وللأربعة وكريمة حتى إذا أتى على ذكر وللأصيلي وأبي ذر عن الكشميهني حتى أتى على ذكر ( بناء المسجد ) النبوي ( فقال ) أبو سعيد : ( كنّا نحمل لبنة لبنة ) بفتح اللام وكسر الموحدة الطوب النيء ، ( وعمار ) هو ابن ياسر يحمل ( لبنتين لبنتين ) ذكرهما مرتين كلبنة ، وزاد معمر في جامعه لبنة ) عنه ولبنة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فرآه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) الضمير المنصوب لعمار رضي الله عنه ( فينفض ) بصيغة المضارع في موضع الماضي لاستحضار ذلك في نفس السامع كأنه يشاهده ، ولأبي الوقت وابن عساكر فنفض بصيغة الماضي وللأصيلي وعزاها في الفتح للكشميهني فجعل ينفض ( التراب عنه ويقول ) في تلك الحالة ( ويح عمار ) بفتح الحاء والإضافة كلمة رحمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها كما أن ويل كلمة عذاب لمن يستحقها ( يدعوهم ) أي يدعو عمار الفئة الباغية وهم أصحاب معاوية رضي الله عنه الذين قتلوه في وقعة صفين ( إلى ) سبب ( الجنة ) وهو طاعة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك ، ( ويدعونه إلى ) سبب ( النار ) لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم